الشيخ محمد رشيد رضا
55
الوحي المحمدي
وقد كان أكثر من آمن بتلك الآيات إنما خضعت أعناقهم ، واستخدمت أنفسهم لما لا يعقلون له سببا ، وقد انطوت الفطرة على كل ما لا يعرف له سبب ، فالآتى به مظهر للخالق سبحانه ، إن لم يكن هو الخالق نفسه ، وكان أضعاف أضعافهم يخضع مثل هذا الخضوع نفسه للسحرة والمشعوذين والدجالين ولا يزالون كذلك . وقد نقلوا عن المسيح عليه السلام أنه سيأتي بعده مسحاء كذبة ، وأنبياء كذبة ، ويعطون آيات عظيمة وعجائب حتى يضلوا لو أمكن المختارين أيضا ( متى 24 : 24 ) وقد ذكر في قاموس الكتاب المقدس عدد كثير منهم ، وأسماء بعضهم وأقول : إن منهم القاديانى الذي ظهر من مسلمى الهند ، وتذكر صحف الأخبار ظهور هندى آخر يريد إظهار عجائبه في أمريكا في هذا العام ونقلوا عن المسيح أنه قال : « الحق أقول لكم : ليس كل نبي مقبولا في وطنه » وجعل القاعدة لمعرفة النبي الصادق تأثير هدايته في الناس لا الآيات والعجائب فقال : « من ثمارهم تعرفونهم » ولم يظهر بعده - ولا قبله - نبي كانت ثماره الطيبة في هداية البشر كثمار محمّد صلّى اللّه عليه وسلم ولا أحد يصدق عليه قوله في إنجيل يوحنا ( 16 : 12 إن لي أمورا كثيرة أيضا ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن . وأما متى جاء ذاك « أي البارقليط » روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق ) إلخ ، وما جاء بعده نبي أرشد الناس إلى جميع الحق في الدين ؛ من توحيد ، وتشريع ، وحكمة ، وتأديب : غير محمد رسول اللّه وخاتم النبيين . ومن استقرأ تواريخ الأمم علم أنّ أهل الملل الوثنية أكثر اعتمادا على العجائب من أهل الأديان السماوية ، ورأى الجميع ينقلون منها عمن يعتقدون قداستهم من الأولياء والقديسين ، أكثر مما نقلوا عن الأنبياء المرسلين ، ورأى أن أكثر المصدقين بها من الخرافين . ثبوت نبوة محمد بنفسها وإثباتها لغيرها : وجملة القول : أن نبوة محمّد صلّى اللّه عليه وسلم قد ثبتت بنفسها ، أي بالبرهان العلمي والعقلي الذي لا ريب فيه ، لا بالآيات والعجائب الكونية . وإن هذا البرهان قائم ماثل للعقول والحواس في كل زمان ، وأنه لا يمكن إثبات آيات النبيين السابقين إلا بثبوت نبوته صلّى اللّه عليه وسلم وهذا القرآن الذي جاء به ، فالحجة الوحيدة عليها في هذا الطور العلمي الاستقلالى من أطوار النوع البشرى هو شهادته لها . فإن الكتب التي نقلها لا يمكن إثبات عزوها إلى من عزيت إليهم ، إذ لا يوجد نسخ منها منقولة عنهم باللغات التي كتبوها بها لا تواترا ولا آحادا ، ولا يمكن إثبات عصمتهم من الخطأ فيما كتبوه على اختلافه ، وتناقضه ، وتعارضه ، ولا إثبات صحة التراجم التي نقلت بها ، كما قلنا آنفا وبيناه بالتفصيل مرارا .